النويري

46

نهاية الأرب في فنون الأدب

إليه : * ( أَنَّه لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ واصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا ووَحْيِنا ولا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ ) * . ذكر عمل السفينة قال : وأوحى اللَّه تعالى إليه أن يتّخذها في ديار قومه ، وأن يجعلها ألف ذراع طولا وخمسائة عرضا وثلاثمائة ارتفاعا ، فأعدّ آلات النّجارة ، وشرع في عملها وأعانه أولاده ومن آمن من قومه ، والناس يسخرون منه ويقولون : بعد النبوّة صرت نجّارا ، ونحن نشكو القحط ، وأنت تبنى للغرق . قال اللَّه تعالى : * ( ويَصْنَعُ الْفُلْكَ وكُلَّما مَرَّ عَلَيْه مَلأٌ مِنْ قَوْمِه سَخِرُوا مِنْه قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ) * ؛ وكانوا يأتون السفينة بالليل فيشعلون فيها النار ولا تحترق ، فيقولون : هذا من سحرك يا نوح . وجعل نوح رأس السفينة كرأس الطاوس ، وعنقها كعنق النّسر ، وجؤجؤها كجؤجؤ الحمامة ، وكوثلها كذنب الديك ، ومنقارها كمنقار البازي ، وأجنحتها كأجنحة العقاب ؛ ثم غشّاها بالزفت ، وجعلها سبع طبقات لكلّ طبقة باب ؛ فلمّا فرغ من بنائها نطقت بإذن اللَّه وقالت : لا إله إلا اللَّه إله الأوّلين والآخرين ، أنا السفينة ، من ركبني نجا ، ومن تخلَّف عنّى غرق ، ولا يدخلني إلَّا أهل الإخلاص . فقال نوح لقومه : أتؤمنون ؟ قالوا : هذا قليل من سحرك . ثم استأذن ربّه في الحج ، فأذن له ؛ فلمّا خرج همّ القوم بإحراقها ، فأمر اللَّه الملائكة فاحتملوها إلى الهواء ، فكانت معلَّقة حتى عاد من حجّه . ولمّا قضى مناسكه رأى تابوت « 1 » آدم عن يمين الكعبة ، فسأل ربّه في ذلك التابوت فأمر الملائكة فحملوه إلى دار

--> « 1 » كذا في كتاب الكسائي المنقول عنه هذا الكلام . والذي في الأصول : « تنورا من أدم » ؛ وهو تحريف ، إذ لا يعقل أن يتخذ التنور من الأدم وهو الجلد .